محمود محمود الغراب
104
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
الحكمة المحبوبة ، فأذن السيد فدخلنا ، وقام لقدومنا وقعدنا ، وقال : من أين جاء الركب المحفوظ ؟ المصان الملحوظ ، فقلنا : من بلد الجسد الغريب ، فقال : مرحبا بالزائرين من بلد الحبيب ، ما أحسنها من مدينة حصينة قامت أركانها على التربيع « 1 » ، وجعل سلطانها من العالم البديع ، وهذا العالم على جنسين : رفيع ونازل ، وهذا السلطان من الجنس الرفيع ، وقامت بها الصفات الإلهية ، فدعيت بالحي العالم المريد القادر ، المتكلم البصير السميع ، وأحكمت بتسع قوى من صفة غاذية ونامية ومصورة ، وناطقة وعاملة وحافظة ومفكرة ، ومخيلة ومحسة فجاءت حسنة الترصيع ، وأتقنت بقوة تجذب المنافع وقوة تمسكها ، وقوة تهضم ما حصل في المعدة خوفا من المضار وقوة تدفعها ، وشرح ترتيب هذه المدينة يطول « 2 » ، لكثرة ما فيها من الفصول ، لكنها جمعت حقائق المحدثات ، وبعض الحقائق الإلهيات ، ما خلق اللّه خلقا أشرف منها ، ولا أحدث حكم عن أحد مثل ما أحدث عنها ، أوتيت جوامع الكلم وأودعت فنون الحكم ، يا طول شوقي إليها ، ويا حسرتي عليها ، ما أشتهي قيام الساعة إلا لردي إليها ، ونزولي عليها ، وهي مدينة لا يعرف قدرها إلا من عرف سر القدر ، ولهذا جهلتها أرباب الفكر ، هي بوطيقى الحكمة ، وموسيقى النغمة ، وبرزخ النور والظلمة ، لا زالت آفاقها سافرة ، وأطباقها دائرة ، فخدم الجلساء والحجّاب ، وسجدوا لظل الحجاب ، ثم رفعوا ، وأصاخوا وأقنعوا ، وعاد إلى الكلام السيد الإمام ، والنسابة العلام ، وقال : عرفتم أن هذا المحل الأسنى لا يجوز عليه التكليف ، ولا يتحكم عليه لطيف ولا كثيف ، أين المفصح عنا ببعض ما نحن عليه ؟ والمترجم عنا ببعض ما قررناه لديه ؟ فرفع لنا بيت من الذهب الأحمر ، قد فتق بالمسك وجمّر بالعنبر ، ونصب فيه منبر من الياقوت الأحمر ، وخرج الترجمان وعلى رأسه تاج من اللؤلؤ والجوهر ، وقد حفت به أقاويل الملأ الأعلى ، وروحانيات السماوات العلى ، وما بقي روح إلا حضر ، ولا ملك محجوب إلا ظهر ، وسطع الشعاع ، وعم القاع والبقاع ، وسرت الضياءات ، وأشرقت الأنوار وازدانت السماوات ، وظهر سلطان الاستواآت ، وتعالى العلاء ، وقام البناء ، وخلص الولاء ، وتمكن الصفاء ، وعظم الإشراق ، وتلألأت
--> ( 1 ) الأركان الأربعة الماء والهواء والتراب والنار . ( 2 ) يشير بالمدينة إلى الإنسان وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ .